حتى نلتقي: سادة وخدم

حتى نلتقي: سادة وخدم

العودة إلى الكتابة بعد انقطاع، كمن يعود من إجازة، يعود متثاقلًا يحمل كثيرًا من الأفكار للعمل، إلا أن الوتيرة تختلف؛ ربما يودّ بعضهم الإسراع، ولكن في الغالب التأمل والتأني هما عنوان المرحلة.

العودة إلى الكتابة في مرحلةٍ انطلقت فيها حرب قاربت على الشهر؛ حرب ضروس لم نعرفها من قبل، لا نرى فيها جنودًا بل نسمع عنهم، والسمع يصبح أكثر وقعًا عندما تسمع السماء تُرعد من صنع البشر، فلا تدري: أَتَقصفك صاعقة البشر أولئك أم أولاءِ؟ حرب يكثر فيها الكذب والدجل والترويع، حرب يظهر فيها جليًا الجاهل والعاقل؛ الذي يأخذ الحيطة والحذر، كما نقول: يأخذ بالأسباب، وذلك المستهتر الذي يرى أن الأمر لا يعنيه. حربٌ فيها الخوف من القادم المجهول أعظمُ درجاتٍ من تجارب السابق.

هنا لم يعد هناك خبراء، ولم يعد أحد يقرأ سورة الروم؛ كلّنا مشغولٌ بليلاه، كما يقولون. فالذي يلعن الحرب ويريدها أن تتوقف، إنما يراها من منظاره الشخصي لا أكثر؛ هذا يريد الزواج وقد مُنع السفر، وهذا يريد تجارة وقد أُوقفت السفن، وهذا يريد العمل وقد سُرِّح العمال، وهذه تريد العودة إلى التعليم وقد رفضت الجبهة الداخلية، وهذا يريد وهذه تريد، ولا أحد يفكر في أولئك الذين أصبحوا تحت القصف والخوف هناك، لا هنا.

لا أهوى تحليل المواقف، ولكننا في موقف صعب للغاية منذ أعوام؛ حياتنا أصبحت رهينة أحداث جسام لا ناقة لنا فيها ولا جمل. لا أحد ينظر من منظارنا؛ هم ينظرون من هناك، من مراكز القوى، من السادة والخدم. نحن لم ندرك بعد أن الصراع بين إيران والغرب هو محاولة إيران الخروج من دائرة الخدم، أما نحن كعرب فقد طُبع علينا أننا من الخدم منذ زمن بعيد، منذ قرن ونيف؛ لذلك لا تستغرب لماذا يثور الخدم مع السيد، فهم يظنون أن الحرية خطرٌ على عقولهم، على أوهامهم التي بُنيت، فقد يكتشف الجميع الحقيقة: حقيقة الوهم.

في معادلة الحضارة اليوم، الخدم مصنّفون درجات؛ فهناك خدم الحقل، الأدنى درجة، وهؤلاء أقرب لنا نحن العرب ودول العالم الثالث الإفريقي، وخدم البيت، وهؤلاء قلة قليلة. قد يوافقني الرأي البعض، وقد ينكر عليّ آخرون، أن إسرائيل خادمٌ مطيع يسكن الدار؛ قد حظي مع الزمن بمكانة خاصة ساهمت في رفع مكانة الخادم إلى موقع المستشار. فهو الذي يتصنت على الخدم، وهو الذي يأمر ويهدد ويتوعد، وهو الذي يضرب، وله الصولة والجولة، وهو الذي يملك سيف السيد، وبه يقمع كل خادم يحاول الهروب أو حتى مجرد التفكير. فقط من خلاله يستطيع الخادم رفع صوته وتقديم الولاء للسيد؛ فقط هو، لا غير، حتى عادت خدم الحقل تظنه السيد.

هذه ليست شطحات فكرية؛ هذه زبدة صراع حضارات وعقائد كتب عنها كثيرون، صمويل هنتنغتون وآخرون، إسلاميون وغير ذلك، من منظور ديني ومن منظور علماني؛ كلٌّ أدلى بدلوه في صراع الشعوب وحضارة الموت.

أحيانًا نشاهد كيف استولت علينا منظومة تدمير الوعي، حتى أصبحنا نقبل دون تردد أو تفكير ما يُطعِموننا إياه من خلف الشاشات، العملاقة والصغيرة، وأصبح همّنا صراع البقاء، ولكن ليس بالمفهوم الحضاري البشري، بل بمفهوم غابات وسفاري أفريقيا. فالحياة أصبحت لأولئك الذين يراقبون حياتنا من خلال كل شيء، ويستمعون حتى لتنفسنا ونبضات قلوبنا؛ فقرر البعض أنهم هم الإله في زمن طغت فيه المادية وغاب فيه العدل.

وحتى نلتقي، ستتوقف الحرب؛ قد تطول، ولكنها ستتوقف. البعض سيدفع الثمن؛ ثمن التحرر، والبعض سيدفع نحو عبودية أكبر. ربما تتغير مواقف الخدم، وهذه ليست مهمة بتاتًا؛ فالخدم يذهبون ويعودون، والحدث الأكبر هو دائمًا موت السيد.

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (0)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.