الإصلاح بين المثال والواقع: فقه الممكن دون التفريط بالمبادئ

رؤية
* ثباتٌ وحِكمة
* سلسلة: “فقه الإصلاح والتغيير”
* هذه المقالة يكتبها د. محمد طلال بدران – مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية
* عنوان المقالة: (الإصلاح بين المثال والواقع: فقه الممكن دون التفريط بالمبادئ )
* رقم المقالة في السلسلة: (10)
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد:
* مقدّمة
مما يميز مشاريع الإصلاح الناجحة أنها تجمع بين وضوح المبادئ، وحسن قراءة الواقع. فكم من مشروعٍ أخفق لأنه عاش في عالم المثاليات بعيدًا عن ظروف الناس، وكم من مشروعٍ انحرف لأنه استسلم للواقع حتى فرّط في ثوابته. ومن هنا جاء فقه الإصلاح في الإسلام قائمًا على معادلة دقيقة: الثبات على المبادئ، والمرونة في الوسائل.
* الإصلاح ليس هروبًا إلى المثال
الإسلام يدعو إلى الكمال، لكنه يدرك طبيعة الإنسان وضعفه، ولذلك لم يبنِ أحكامه على عالمٍ خيالي، وإنما خاطب الإنسان كما هو، ليأخذ بيده نحو الأفضل. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (البقرة: 286)، وقال سبحانه: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (التغابن: 16).
فالمصلح لا ينتظر مجتمعًا مثاليًا ليبدأ الإصلاح، بل يعمل في واقعٍ مليء بالتحديات، مستثمرًا كل فرصةٍ ممكنة لتحقيق الخير وتقليل الشر.
* فقه الممكن… ليس تنازلًا عن المبادئ
يخلط بعض الناس بين فقه الممكن وبين التنازل عن الثوابت، بينما الفرق بينهما كبير. فالمبدأ ثابت لا يتغير، أما الوسيلة فتتغير بحسب الزمان والمكان والمصلحة.
وقد جسّد النبي ﷺ هذا المعنى في مواقف عديدة، فحين عجز المسلمون في مكة عن إقامة الدولة لم يدخلوا في مواجهةٍ خاسرة، بل ركّزوا على بناء العقيدة والإنسان. ولما هاجر إلى المدينة انتقل إلى مرحلةٍ جديدة تناسب الواقع الجديد.
وفي صلح الحديبية قبل النبي ﷺ بعض الشروط التي بدت ثقيلة على الصحابة، لكنها كانت فتحًا مبينًا، حتى قال الله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ (الفتح: 1). لقد نظر الوحي إلى النتائج البعيدة، لا إلى الانفعالات الآنية.
* بين التشدد والاستسلام
يقع بعض المصلحين في أحد طرفين:
فريق يطالب بتحقيق جميع الأهداف دفعةً واحدة، فإذا عجز اعتزل الواقع أو صادم الناس.
وفريق آخر يذوب في الواقع حتى يفقد هويته، ويبرر كل انحراف باسم “المصلحة”.
أما المنهج الإسلامي فهو الوسط؛ يرفض التفريط كما يرفض الجمود، ويوازن بين المصالح والمفاسد، ويقدّم الممكن اليوم تمهيدًا للأفضل غدًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “ليس العاقل الذي يعرف الخير من الشر، ولكن العاقل الذي يعرف خير الخيرين وشر الشرين.”
* الإصلاح بالتدرج سنة شرعية
التدرج ليس ضعفًا، بل هو سُنة ربانية. فالخمر لم تُحرَّم دفعةً واحدة، وإنما نزل تحريمها على مراحل حتى تهيأت النفوس للامتثال.
وكذلك الإصلاح الاجتماعي؛ فلا يمكن معالجة العنف، أو التفكك الأسري، أو الانحراف الأخلاقي، أو الفساد الإداري بقرارٍ واحد أو بخطبةٍ واحدة، وإنما يحتاج إلى نفسٍ طويل، وتربية، وتخطيط، وصبر، قال ﷺ: «إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا يُنزعُ من شيءٍ إلا شانَه» (رواه مسلم).
* قراءة الواقع شرط لنجاح الإصلاح
المصلح الناجح لا يعيش بعيدًا عن الناس، بل يعرف همومهم، ويتحدث بلغتهم، ويدرك أولوياتهم، ويوازن بين الممكن والمأمول.
ولهذا كان يوسف عليه السلام يقترح حلولًا اقتصادية تناسب واقع مصر، وكان موسى عليه السلام يخاطب فرعون بما يناسب مقام الدعوة، وكان النبي ﷺ يختلف خطابه باختلاف الأشخاص والأحوال.
إن تجاهل الواقع يُنتج خطابًا معزولًا، بينما الاستسلام للواقع يُنتج خطابًا فاقدًا للهوية، أما الإصلاح الراشد فيجمع بين فهم النص وفهم الواقع.
* خاتمة
إن نجاح الإصلاح لا يكون بالشعارات الكبيرة، ولا بالاستسلام للواقع، وإنما بالجمع بين ثبات المبدأ وفقه الممكن. فالمصلح الحق لا يساوم على دينه، لكنه يحسن اختيار خطواته، ويعرف متى يتقدم، ومتى يؤجل، ومتى يقدّم مصلحةً راجحة دون أن يفرّط في أصلٍ من أصول دينه. وهكذا تبقى المبادئ ثابتة، بينما تتحرك الوسائل بحكمة، ليظل الإصلاح ممكنًا، مؤثرًا، ومتجددًا في كل زمان ومكان… ولكم مني التحية والسلام
* “اللهم ارزقنا فقهًا في دينك، وبصيرةً في إصلاح واقعنا، وثباتًا على مبادئنا، وحكمةً في وسائلنا”
* عنوان مقالة الغد مع المشيئة: “معوقات الإصلاح: كيف تُهزم المشاريع قبل أن تبدأ؟”
للمزيد من المقالات: (رابط قناة: وعي بلا ضجيج) https://whatsapp.com/channel/0029VbC30HGKGGGEoyAovI2P
مقالة رقم: (2393)
* 07. صفر. 1448 هـ
* الثلاثاء، 21.07.2026 م
باحترام: د. محمد طلال بدران (أبو صهيب).

تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.

شارك واتساب تيليغرام

تعقيبات القراء

التعليقات (0)

علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر.

لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.

من الكاتب نفسه

مقالات أخرى

صفحة الكاتب