- رؤية
- إصلاحُ الإنسان
- سلسلة جديدة: “فقه الإصلاح والتغيير”
- هذه المقالة يكتبها د. محمد طلال بدران – مدير دار الإفتاء والبحوث الإسلامية
- عنوان المقالة: (الإصلاح يبدأ من الإنسان: لماذا تفشل محاولات التغيير؟)
- رقم المقالة في السلسلة: (02)
الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد: - تمهيد:
ليس كل حديث عن الإصلاح إصلاحًا، ولا كل مشروع تغيير يُحقّق غايته. فكثير من المبادرات تبدأ بحماس، ثم تخبو، وكثير من الشعارات تملأ الفضاء، ثم لا تترك أثرًا في الواقع. والسبب أن بعض الناس يبحث عن تغيير المجتمع قبل أن يغيّر الإنسان، بينما يقرر القرآن أن نقطة الانطلاق الحقيقية هي الإنسان نفسه؛ لأنه اللبنة الأولى في بناء الأسرة والمجتمع والدولة. - التغيير سنة إلهية تبدأ من الداخل
جعل الله تعالى التغيير مرتبطًا بإرادة الإنسان وسلوكه قبل أن يكون مرتبطًا بالظروف الخارجية، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). وهذه الآية تؤسس لقاعدة حضارية عظيمة؛ فالإصلاح لا يُفرض من الخارج، وإنما ينبت من الداخل، من إصلاح العقيدة، وتقويم الفكر، وتهذيب الأخلاق، وإحياء الضمير.
ولهذا بدأ الأنبياء بإصلاح الإنسان قبل بناء المؤسسات، لأن الإنسان الصالح هو الذي يبني المؤسسة الصالحة ويحافظ عليها. - لماذا تفشل مشاريع التغيير؟
من أبرز أسباب الفشل أن كثيرًا من الناس يطالبون الآخرين بما لا يطبقونه على أنفسهم، فيتحول الإصلاح إلى نقد للآخرين لا مراجعة للذات. وقد ذم القرآن هذا المسلك بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ (البقرة: 44).
ومن أسباب الفشل أيضًا الاعتقاد أن تغيير الأنظمة وحده كافٍ، بينما تبقى العقليات والثقافات والسلوكيات على حالها. إن تغيير الوجوه لا يعني بالضرورة تغيير الواقع، إذا بقي الإنسان يحمل القيم نفسها والأخطاء نفسها.
كما أن الاستعجال من أكبر معوقات الإصلاح؛ فالتغيير الحقيقي يحتاج إلى صبر وتدرج وتربية مستمرة. قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (النحل: 127) - الإصلاح الحقيقي يبدأ بتزكية النفس
ركز الإسلام على بناء الإنسان من داخله؛ لأن النفس إذا استقامت استقام السلوك. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 9-10).
وقال رسول الله ﷺ: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (متفق عليه).
فالقلب هو مركز القرار، ومنه تنطلق الأخلاق والمواقف والاختيارات، ولذلك كانت العناية بالإيمان والنية والضمير أساس كل إصلاح. - من الفرد إلى المجتمع
لا يعني البدء بالفرد إهمال المجتمع، بل يعني بناء المجتمع من أساسه الصحيح. فالفرد الصالح يصنع أسرة مستقرة، والأسرة الواعية تبني مجتمعًا متماسكًا، والمجتمع القوي ينتج مؤسسات عادلة. ولهذا لم يكن الجيل الأول خير الأجيال لأنه امتلك المال أو القوة، بل لأنه تربى على القرآن، فغيّر نفسه أولًا، ثم غيّر العالم.
ومن هنا فإن المدارس، والمساجد، والجامعات، ووسائل الإعلام، والمؤسسات التربوية، مطالبة بأن تجعل صناعة الإنسان أولويتها الكبرى، لا مجرد نقل المعلومات أو رفع الشعارات. - الإصلاح مسؤولية لا أمنية
الإصلاح ليس أمنية نتغنى بها، ولا شعارًا نرفعه في المناسبات، بل مسؤولية تبدأ بسؤال صادق: ماذا أصلحتُ في نفسي قبل أن أطالب بإصلاح غيري؟ فمن انتصر على شهوته، وضبط لسانه، وأخلص عمله، وحسّن خُلقه، فقد وضع الحجر الأول في مشروع الإصلاح الكبير.
إن الأمم لا تتغير بالخطب وحدها، ولا بالقرارات المجردة، وإنما تتغير عندما يتغير الإنسان؛ فكل إصلاح لا يبدأ من النفس يبقى هشًا، وكل تغيير يُبنى على الإنسان الواعي يبقى أرسخ وأبقى. ولذلك كان إصلاح الإنسان هو أول الطريق، وأصعب الطريق، ولكنه أيضًا الطريق الوحيد إلى نهضة حقيقية ودائمة. - خاتمة
إن أعظم وهمٍ تعيشه الأمم أن تظن أن خلاصها يبدأ من تغيير الآخرين، بينما الحقيقة التي يقررها الوحي والتاريخ معًا أن الإصلاح يبدأ من الإنسان نفسه. فمن أصلح قلبه استقام فكره، ومن استقام فكره صلح عمله، ومن صلح عمله أسهم في إصلاح أسرته ومجتمعه وأمته. ولهذا فإن مشروع الإصلاح الحقيقي ليس مجرد تغيير في الأنظمة أو الشعارات، بل هو بناء إنسانٍ يحمل القيم، ويترجمها إلى سلوك، ويصبر على طريق التغيير حتى يؤتي ثماره. وعندما يصبح إصلاح النفس ثقافةً عامة، يتحول الإصلاح من حلمٍ مؤجل إلى واقعٍ يُرى وآثارٍ تُلمس، وتبدأ الأمة باستعادة دورها الحضاري من جديد… ولكم مني التحية والسلام - “اللهم أصلح لنا قلوبنا، وأصلِح بنا، واجعلنا مفاتيح خير”
- عنوان مقالة الغد مع المشيئة: “بين الإصلاح والثورة: كيف يغيّر الإسلام الواقع؟”
للمزيد من المقالات: (رابط قناة: وعي بلا ضجيج) https://whatsapp.com/channel/0029VbC30HGKGGGEoyAovI2P
مقالة رقم: (2385) -
- محرّم. 1448 هـ
- الأثنين، 13.07.2026 م
باحترام: د. محمد طلال بدران (أبو صهيب)
الإصلاح يبدأ من الإنسان: لماذا تفشل محاولات التغيير؟
تنويه: الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، وهو يتحمّل كامل المسؤولية القانونية والمهنية عن محتواه.
التعليقات (0)
علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر. دخول
لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.