في قلب المنطقة الصناعية “عتيد النقب” بمدينة رهط، حيث تمتزج أصوات الآلات بهدير المصانع وحركة الاقتصاد، يرتفع صرح يغرد خارج السرب تماماً؛ صرحٌ لا يُنتج بضائع مادية، بل يصقل العقول، ويُهندس المستقبل، ويصنع الأمل. إنها مدرسة “السنا”، التي تستمد اسمها من شعاع الشمس المتلألئ، لتكون بالفعل بصيص النور الذي يخترق الصور النمطية، ويحمل شباب النقب وفتياته من مقاعد الدراسة التقليدية إلى أروقة ومختبرات جامعة “بن غوريون” والجامعة المفتوحة. عندما تطأ قدماك هذا المكان، تشعر وكأنك انتقلت عبر الزمن إلى مساحات العمل في كبرى شركات التكنولوجيا في “وادي السيليكون”؛ فاللوحات، والمختبرات، وغرف الحاسوب المجهزة بالكامل، تتحدث لغة واحدة هي لغة “العلوم والابتكار”، لترسم واقعاً جديداً يثبت أن الاستثمار الحقيقي يبدأ دائماً ببناء الإنسان.
رؤية إدارية ثورية: التحدي الذي غدا منصة للتغيير
تقف خلف هذا الإنجاز الاستثنائي رؤية إدارية ثورية تقودها المربية والمديرة القديرة شمسي مساعد، التي تؤمن إيماناً مطلقاً بالعمل المنهجي، حيث تؤكد قائلة: “إن النجاح لا يأتي من فراغ، بل يتطلب خطة محكمة، وقد عكفنا على وضع خطة استراتيجية مدروسة“. وانطلاقاً من قناعتها بأن البيئة هي التي تشكل وجدان الطالب وتصقل مهاراته، لم تكتفِ المدرسة بتدريس مناهج وزارة التربية والتعليم للحصول على شهادة الثانوية العامة “البجروت”، بل تجاوزت ذلك لتبني جسوراً متينة مع الأكاديميا العالمية في مجالات الهندسة، والطب، وعلم الحاسوب.
“لا أود أن أسميه تحدياً، بل أعتبره فرصة ثمينة.. نحن مدرسة أُسست لتصنع التغيير؛ جئنا لنرسخ واقعاً جديداً بعد أن كان غائباً، جئنا لنحدث التغيير الشامل والملموس.”
ورغم العقبات الأولى المتمثلة في تعيين مديرة من خارج البيئة البدوية لإدارة مدرسة للطلاب العرب في النقب، إلا أن هذا التحدي تحول إلى فرصة ذهبية أثبتت أن الكفاءة والإيمان لا يعترفان بالحدود الجغرافية أو المجتمعية، وذلك بدعم متواصل من مؤسسي المدرسة في “مركز تمار” الذي يرفع شعاراً حياً: “تمار يُحدث التغيير”.
📸 السيدة شمسي مساعد، مديرة المدرسة، تتوسط إحدى قاعات المدرسة المصممة بطراز تكنولوجي حديث.
الإشراف الشخصي: “عمود النجاح” وهندسة القيادة
السر الحقيقي وراء تحول هذه المدرسة، التي تضم 208 طلاب فقط موزعين على ثمانية صفوف، إلى خلية نحل أكاديمية، يكمن في ابتكار نظام “الإشراف الشخصي” (חינוך אישי). لقد أدركت الإدارة أن بناء القادة يتطلب رعاية فردية متكاملة، فقامت بتقسيم طلاب الطبقة إلى ثلاث مجموعات صغيرة، يرافق كل مجموعة مشرف أكاديمي واجتماعي طيلة أربع سنوات، من الصف التاسع وحتى الثاني عشر. يبدأ اليوم الدراسي بعشرين دقيقة مخصصة لهذا المشرف لتعزيز التواصل الروحي والفكري، وتُدار “منصة الطالب” (במת התלמיד) التي تتيح للشباب الوقوف والتحدث بطلاقة لتنمية مهاراتهم القيادية. هذا النظام المتكامل تديره نخبة من 21 معلماً ومعلمة اختيروا بعناية ليكونوا “مُجندين لخدمة النجاح”.
خارج الصندوق: الروبوتيكا وصناعة “أخلاقيات العمل”
لم تكتفِ المدرسة بعلوم الفيزياء والبيولوجيا، بل اقتحمت عالم المستقبل من أوسع أبوابه لتسجل تاريخاً جديداً كأول مدرسة لعرب النقب تشارك في مسابقة الروبوتيكا العالمية “فيرست” (FIRST). التقينا بالسيدة الفاضلة رنا، التي سلطت الضوء على الأثر التربوي العميق لهذا المشروع، حيث ينقسم الطلاب إلى فرق متخصصة في البرمجة، والإعلام، والتسويق، والنمذجة.
“نعاني من صورة نمطية تصف العمل العربي أحياناً بالقصور والسطحية (עבודה ערבית).. ولكن هذه المنافسة تكسر هذا النمط وتُلزم الطالب بألا يتعامل مع الأمور بسطحية، بل تفرض عليه العمل وفق قوانين ومعايير دقيقة لا تقبل التهاون.”
تؤكد السيدة رنا أن مسابقات الروبوتيكا تفرض ممارسة احترافية عالية، مما يغرس في الطلاب “أخلاقيات عمل” (מוסר עבודה) يفتقر إليها سوق العمل المعاصر. وفي هذا السياق، تروي الطالبة نبأ أبو صيام، التي تترأس طاقم البرمجة، بشغف كيف كسر هذا المشروع حواجز الجغرافيا، وعلمهم قيادة الفرق، والعمل تحت الضغط، والتفاعل الإيجابي مع ثقافات متنوعة.
…
📸 من مختبر الروبوتيكا – تركيب أجزاء معقدة من الروبوت الخاص بمسابقة FIRST العالمية.
جيل النوابغ: حين تحاضر الطالبات في أروقة الجامعة
تُسطر الطالبة ريتال القريناوي (الصف الثاني عشر) قصة إرادة استثنائية وملهمة. انطلاقاً من شغفها بعنصر الذهب، طرحت سؤالاً فيزيائياً بالغ التعقيد حول أسباب عدم استجابته للمجال المغناطيسي، وكيف تتبدل خصائصه إذا ما تم تحويله إلى الحالة الرابعة للمادة، ألا وهي “البلازما”.
ولإنجاز هذا البحث الأكاديمي الرصين، تتجه ريتال أسبوعياً وبمفردها، معتمدة على حافلات النقل العام من محطة رهط المركزية، وصولاً إلى مختبرات “سديه بوكير” التابعة لجامعة بن غوريون جنوباً. هناك، تعكف على فحص الجزيئات الدقيقة تحت المجهر، وتتجاوز حواجز اللغة مع الباحثين الدوليين مستعينة بأدوات الذكاء الاصطناعي لفهم وتفكيك المصطلحات الأكاديمية المعقدة. وبدعم مستمر من معلماتها، أتقنت ريتال فنون المراسلات العلمية، لتصنع من نفسها مشروع محاضرة جامعية واعدة خلال العقد القادم.
📸 الطالبة ريتال القريناوي تروي مسارها التعليمي بين مختبرات المدرسة والبحوث الجامعية المتقدمة.
إنسانية العلم: أبحاث تُشرق لإنقاذ الأرواح
لم تتوقف الإبداعات عند حدود الفيزياء والبرمجة، بل امتدت لخدمة الإنسانية وإنقاذ الأرواح. حيث يسعى الطالب محمد الهزيل (الصف الحادي عشر) من خلال بحثه البيولوجي إلى إيجاد بديل جذري للعلاج الكيماوي لمرضى السرطان. يطرح محمد فرضية علمية ثورية تعتمد على إنتاج خلايا سرطانية مخبرية معدلة وإدخالها للورم بهدف إضعافه، مما يهيئ المجال لخلايا الدم البيضاء للقضاء عليه بشكل طبيعي. إن محمد لا يبحث عن تحصيل درجات مدرسية، بل يطمح لترك بصمة تنقذ حياة البشر.
📸 الطالب محمد الهزيل يستعرض أبعاد بحثه البيولوجي لإيجاد بديل للعلاج الكيماوي لمرضى السرطان.
وقد وجه محمد نداءً بالغ الأهمية لشباب جيله قائلاً: “تسلحوا بالعلم أكثر… فبمزيد من التعلم والبحث الدؤوب، سنمتلك القدرة على ابتكار حلول حقيقية للأزمات والمعضلات التي تحيط بنا”. وتكتمل هذه اللوحة الإنسانية بطموح الطالبة سلمى المكاوي، التي تجد في أبحاثها المخبرية للتعامل مع الحيوانات ودراسة الأورام طريقاً يمهد حلمها بدراسة الطب البيطري، موجهة رسالة لكل فتاة بضرورة التسلح بالشجاعة في مواجهة الصعاب الأكاديمية.
إن مدرسة “السنا” لا تكتفي اليوم بتعليم أبنائنا، بل تطلق صرخة وعي ورسالة مفتوحة لكل أسرة في النقب لضرورة تحديث أنماط التفكير. وكما تختتم المديرة شمسي حديثها بتوجيه نصيحة أبوية وتربوية للأهالي:
“لا تفرضوا رغباتكم على أبنائكم، ولا تسيروهم وفق مسارات تقليدية فقط. امنحوهم المساحة الكافية ليختاروا مجالاتهم بأنفسهم، ودعوهم يتحملون مسؤولية قراراتهم بكل استقلالية وشغف.”
هذا الصرح يمثل “مصنعاً للأمل”، يبرهن للعالم أن صحراء النقب لا تُنبت أشواكاً، بل تُنبت عقولاً فذة قادرة على النهوض بمجتمعها وبعث آفاق التفاؤل في مستقبل يستثمر الكنوز البشرية الكامنة فيها. من هنا، ومن بين هذه المختبرات المتطورة، ينطلق شباب النقب لكتابة تاريخ جديد عماده البرمجة، والبحث العلمي المتقدم، والإرادة التي لا تُقهر.
التعليقات (0)
علّق باسمك. قد يُطلب منك إكمال الدخول قبل النشر. دخول
لا تعليقات بعد — كن أول من يعلّق.